الحرب التي غَيَّرَت العالم

أفغانستان,السوفييت,حرب,جهاد,أمريكا,




عاد فيلم "أفغانستان 1979: الحرب التي غَيَّرَت العالم" للمخرجة الروسية غوليا مارسوفا، الى النقطة المفصلية التي شكلتها الحرب الروسية في أفغانستان في تاريخنا الحديث. ويُبيِّن كيف أن هذه الحرب أطلقت شرارة معظم هذا العنف الذي يعيشه العالم اليوم، وتحدد حتى الساعة أغلب خطوط السياسة الدولية فيه. كما أن الحرب تلك، كانت المسمار الأخير في نعش الإتحاد السوفيتي، فبعد إنقضائها ببضعة سنوات، لفظت القوة الشيوعية الأكبر في العالم أنفاسها، ومازلت مفاعيل ذلك السقوط متواصلة لليوم، تطل برأسها أحياناً عبر حروب محلية (ما يحصل في اوكرانيا مثلاً). في كل ذلك يبقى "أفغانستان" بلداً عصياً وغير مفهوماً، فبعد أن هزم الإتحاد السوفيتي، ها هو يتغلب على الولايات المتحدة في حرب إستمرت هي الاخرى عشر سنوات ونيف. لهذه الأسباب لا يغدو من المبالغة أبداً، أن يختار الفيلم التسجيلي عنوانه هذا، الذي ربما يبدو للبعض تضخيما يتقصد الإثارة.

اللافت هو ندرة الأفلام التسجيلية التي تناولت الحرب السوفيتية في أفغانستان. التي ربما كانت تحبط عزيمة بعض المخرجين بسبب الإنطباع السائد بقلة المواد الإرشيفية عن تلك الحرب والحقبة التاريخية التي سبقتها. يُبطل الفيلم التسجيلي "أفغانستان 1979: الحرب التي غَيَّرَت العالم" هذا الزعم، فهو عثر على  مواد إرشيفية شديدة الأهمية وأحياناً الجمال، حفظ بعضها تفاصيل من الحياة اليومية في أفغانستان وقبيل دخول البلد الى نفق العنف الطويل الذي مازال عالقاً فيه. كما أن الفيلم التسجيلي حصل على وثائق من حقبة الحكم الشيوعي في روسيا، بعضها سريّ، يكشف عن الموقف العام في الكرملين وقتها تجاه ما يجري في البلد الآسيوي. إضافة الى الوثائق والصور القديمة، يقنع الفيلم مجموعة من الشخصيات المهمة المتعددة الجنسيات بالحديث إليه وتقديم شهاداتها التاريخية، ليتحول الفيلم التسجيلي نفسه، الى وثيقة مهمة للباحثين في الشأن الافغاني في المستقبل، لقيمة ما جمعه، كالشهادات التي ينقلها لشخصيات تتحدث لأول مرة الى الكاميرا.

يستهل الفيلم التسجيلي زمنه بالتشديد على قوة وقِدم الروابط الوثيقة بين روسيا وأفغانستان، التي تعود الى مائة عام تقريباً، فأفغانستان سبقت الدول جميعا بالإعتراف بحكم الشيوعيين في الإتحاد السوفيتي، وكانت روسيا القديمة الاولى بأعترافها بحكم الملك في أفغانستان في بدايات القرن العشرين. لكن الفيلم سيركز على السنوات الثلاث القليلة التي سبقت التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان في عام 1980. وبعد أن أطاح شيوعيون متطرفون أفغان بحكم الرئيس والحليف للإتحاد السوفيتي الرئيس داود خان، ولينصبوا الرئيس نور محمد تراقي رئيسا للبلاد. الأمر الذي أغضب القادة الروس. سرعان ما شبت النزاعات بين القادة الجدد لأفغانستان، ليتولى حفيظ الله أمين، الأكثر تطرفا من سابقه رئاسة أفغانستان، وبعد اغتيال الرئيس تراقي. بينما كان الشيوعيون يتصارعون على الحكم في العاصمة كابول، كانت القوى الأسلامية والعشائرية في أماكن عديدة في البلد قد بدأت ثورتها المسلحة ضد الحكم الشيوعي.

ورغم أن الفيلم يُبيِّن أن قادة الإتحاد السوفيتي كانوا مترددين امام الدخول في حرب طويلة في بلد صعب تحكمه العشائرية والولاءات لرجال الدين، وكما بينت وثيقة سريّة من الكرملين من فترة حكم الرئيس الأفغاني تراقي، الذي إستنجد بالروس بعد خساراته المتتالية امام تمرد رجال القبائل. سيغرق الإتحاد السوفيتي تدريجياً بتلك الحرب ، وسيتعاظم هذا التدخل، بعد أن دخلت الولايات المتحدة في النزاع بدعمها للمجاهدين الأفغان. وبعد أن تبدى أن أفغانستان أصبحت بموقعها الجغرافي المهم، وبعد الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979، ساحة أساسية للنزاعات بين الشرق والغرب.

يحصل الفيلم على لقاءات مثيرة كثيراً مع أعضاء سابقين من جهاز الإستخبارات الروسي، والذين كشفوا أن جهازهم خطط لإغتيال الرئيس حفيظ الله أمين بوضع السَّمُّ في طعامه، وعندما فشلوا، قاموا بقصف قصره الرئاسي، الذي مازالت أثار الدمار ماثلة عليه لليوم، كتذكير بكوابيس الماضي المتواصلة. بعد مقتل الرئيس أمين، ستدخل روسيا الحرب الأفغانية فعليا، وترسل مئات الالف من الجنود، وستفشل وعلى طوال ثمان سنوات من المعارك الشرسة في فرض نفوذها على البلد الصعب، لتنسحب مذلولة من البلد، حتى أنها، ولكي تؤمن إنسحاباً لا يؤدي الى مزيد من الخسائر البشرية، عقدت إتفاقات مهينة مع المجاهدين.

من المتحدثين في الفيلم، الرئيس الروسي السابق ميخائيل غورباتشوف، والذي إنتبه مبكراً وعندما كان عضواً متقدماً في الحزب الشيوعي الى الورطة الأفغانية، ورغب سريعاً وبعد أصبح رئيساً بوقف حمامات الدم هناك. غورباتشوف هذا هو نفسه، سينهي الحقبة الشيوعية لحكم البلاد. إضافة الى الروس، سيحضر بعض الأمريكيين في الفيلم التسجيلي. أغلبهم أعضاءً سابقين في أجهزة إستخباراتية امريكية، كشفوا كيف دخلت الولايات المتحدة الحرب، عبر الدعم الكبير للمجاهدين. حيث وقف الرئيس الامريكي وقتها رونالد ريغان شخصيا خلف هذا الملف الحيوي. لتصبح أفغانستان ساحة حرب مصيرية بين الولايات المتحدة التي كانت قد اضاعت للتو حلفائها في إيران، والإتحاد السوفيتي الضعيف، الذي يقترب من خساره أفغانستان، حليفه الإستراتيجي لقرن كامل.

يَمرّ الفيلم على حوادث، ستكتسب لاحقاً أهمية كبيرة للغاية في العالم المعاصر. كولادة الحركة الإسلامية العالمية في أفغانستان، والتي لعبت الولايات المتحدة دوراً مهماً في توفير الظروف المناسبة لها للوجود والتمدد. فالبلد الآسيوي بدأ بجذب مجاهدين من كل البلدان الإسلامية، بعضهم عرب، قادهم وقتها الشخصية الجدليّة عبد الله عزام. إنتبه الأفغان مبكراً أن خط المجاهدين العرب السلفيّ هو تطرف حتى على القيم المتشددة السائدة هناك، فعزل المجاهدين العرب في مراكز خاصة، ومنعوا من الإختلاط بالسكان المحليين. في وسط تلك الظروف سيتشكل تنظيم القاعدة. وفي أفغانستان عاش اسامة بن لادن شطراً كبيراً من حياته. يقدم الفيلم على هذا الصعيد مشاهد إرشيفية مُهمة كثيراً، عن الحرب الطويلة بين المجاهدين والقوات الروسية، وكيف تعقدت هذه الحرب، لتصبح معارك بالنيابة عن دول عديدة مثل باكستان والولايات المتحدة وايران.

ولعل واحدة من مُنجزات هذا الفيلم التاريخي المُتقن، أنه صَحح بعض المفاهيم التعميمية الشائعة عن أفغانستان. فالبلد عانى دائماً من الصراع بين المعتدلين وأبناء الريف ورجال الدين، اي  أن هذا الصراع ليس وليد العقدين الأخيرين فقط. فالتمرد الذي تفجر ضد حكم الشيوعيين الأفغان في نهاية عقد السبعينات، يعود الى حزمة القرارات الحكومية وقتها، ومنها فرض التعليم الإلزامي على الفتيات. رفض رجال الدين والعشائر لتعليم النساء آنذاك، يسبق بعقود ما تقوم به حركة الطالبان منذ سنوات، والتي تمنع هي الأخرى تعليم الفتيات. كما أن مدينة كابول، والتي يتم تَذّكر بحنين سنوات حريتها وإنفتاحها في عقد السبعينات من القرن الماضي، كانت يسير في شوارعها –كما قدم الفيلم- نساء مغطيات بالبرقع، وكحال النساء في عهد الطالبان، جنبا الى جنب مع آخريات سافرات.

يصادف عرض الفيلم على الشاشات التلفزيونية الاوروبية، مع أخبار عن قرب تدخل عسكري روسي في سوريا. يظهر الفيلم بقسوة كبيرة أحياناً ما حدث للروس في آخر حرب لهم في آسيا. فهم غطسوا سريعا في أوحال الصراعات المعقدة هناك وفقدوا ما يقارب الخمسة عشر الف جندياً، مقابل مليون ونصف من الأفغان الذين قتلوا على طوال عقد كامل، إنتهى بتسليم البلد فعليا بأيدي الطالبان. لتعقبه فترة فوضى طويلة، ثم حرب أخرى قادها تحالف دولي غربي هذه المرة، فشل هو الآخر في السيطرة على البلد الشرس، ليبدو أفغانستان اليوم، ومع قرب الإنسحاب النهائي للقوات الغربية منه، وكأنه عائد الى هيمنة العشائر ورجال الدين مجدداً.
الكاتب:محمد موسى

التعليقات

الاسم

أخبار عالمية أخبار عربية ادوارد سعيد أسطوانات التربية التنمية البشرية الرجل الشعر والأدب الصحة الصيام الطبخ العلاقات الزوجية الفرق الكلامية الفكر الإسلامي الفلسفة اللياقة البدنية الماسونية المال والأعمال المرأة المغرب العربي المقالات الحصرية المكتبة المالية الملف الأسبوعي المهدي المنجرة النجاح أنتوني روبنز أنواع الشخصية بالصور تاريخ تعلم الإنجليزية تعلم فرنسي توني بوزان جمال جمعيات دليل المواقع الإسلامية رجال عظماء رسائل ملهمة رمضان ستيف ر. كوفي سياحة صحة صوتيات طه حسين علوم وتكنولوجيا فنون فيديو فيكتور هيجو قراءة في كتاب كتب ابراهيم الفقي كتب قصيرة كورسات كيف ؟ للأزواج فقط ليو تولستوي مبادرات مصطفى محمود مطبخ مقالات فكرية مكتبة متنوعة مواضيع تربوية مواضيع مترجمة موساد نابليون هيل نصائح مفيدة وثائق بنما وظيفة
false
rtl
item
مكتبة المثقف : الحرب التي غَيَّرَت العالم
الحرب التي غَيَّرَت العالم
أفغانستان,السوفييت,حرب,جهاد,أمريكا,
https://2.bp.blogspot.com/-MECnbWctz3c/VgcJ1ZNuxtI/AAAAAAAAGQI/2xeFqMp1N0A/s1600/Soviet-Afghan-War.jpg
https://2.bp.blogspot.com/-MECnbWctz3c/VgcJ1ZNuxtI/AAAAAAAAGQI/2xeFqMp1N0A/s72-c/Soviet-Afghan-War.jpg
مكتبة المثقف
http://www.almotaqqaf.com/2015/09/blog-post_26.html
http://www.almotaqqaf.com/
http://www.almotaqqaf.com/
http://www.almotaqqaf.com/2015/09/blog-post_26.html
true
966508210606826578
UTF-8
لاتوجد أي مشاركة شاهد الكل إقرأ المزيد حاول مرة آخرى أوقف المحاولة Delete من طرف الرئيسية الصفحات المواضيع شاهد الكل مواضيع مشابهة التسميات أرشيف المدونة إبحث عذرا الصفحة التي طلبتها غير موجودة العودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نونبر دجنبر يناير فبراير مارس أبريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر أكتوبر نونبر دجنبر الآن قبل دقيقة $$1$$ قبل دقائق قبل ساعة $$1$$ قبل ساعات الأمس $$1$$ قبل يوم $$1$$ قبل أسابيع قبل أكثر من 5 أسابيع